أحمد بن يحيى العمري
76
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
المقتبسة من التجربة ما لا يوصف « 1 » ، وأنا مع ذلك أختلف إلى الفقه ، وأناظر فيه ، وأنا في هذا الوقت من أبناء ست عشرة سنة ، ثم توفرت على العلم والقراءات سنة ونصف ، فأعدت قراءة المنطق ، وسائر أجزاء الفلسفة ، وفي هذه المدة ما نمت ليلة واحدة بطولها ، ولا اشتغلت في النهار بغيره ، وجمعت بين يدي ظهورا فكل حجة أنظر فيها أثبت مقدمات قياسية « 2 » ، ورتبتها في تلك الظهور ، ثم نظرت فيما عساها تنتج ، وراعيت شروط مقدماته حتى تحقق لي حقيقة الحق في تلك المسألة ، وكلما كنت أتحير في مسألة ولم أكن أظفر بالحد الأوسط في قياس ترددت إلى الجامع ، وصليت ، وابتهلت إلى مبدع الكل ، حتى فتح لي المنغلق ، وتيسر المتعسر « 3 » . وكنت أرجع بالليل إلى داري ، وأضع السراج بين يدي ، وأشتغل بالقراءة والدرس ، والكتابة ، فمهما غلبني النوم ، أو شعرت بضعف ، عدلت إلى شرب قدح من الشراب ، ريثما تعود إليّ قوّتي ، ثم أرجع إلى القراءة ، ومهما أخذني أدنى نوم ، أحلم بتلك المسائل [ بأعيانها ] اتضح لي وجوهها في المنام « 4 » . وكذلك حتى استحكم معي جميع العلوم ، ووقفت عليها بحسب الإمكان الإنساني . وكل ما علمته في ذلك الوقت فهو كما علمته الآن ولم أزدد فيه إلى اليوم ، حتى أحكمت علم المنطق والطبيعي ، والرياضي ، ثم عدلت إلى الإلهي ، وقرأت كتاب " ما بعد الطبيعة " فما كنت أفهم ما فيه ، والتبس عليّ غرض
--> ( 1 ) : زاد ابن العبري : " وأنا في هذا الوقت من أبناء ست عشرة سنة " . تاريخ مختصر الدول 187 . ( 2 ) : في الأصل المخطوط : " قياساته " . ( 3 ) : انظر : عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة 438 ، وتاريخ مختصر الدول 187 ، ووفيات الأعيان لابن خلكان 2 / 158 ، وتاريخ الإسلام للذهبي 29 / 221 . ( 4 ) : انظر : تاريخ الإسلام للذهبي 29 / 221 ، وتاريخ مختصر الدول 187 .